التناص الديني في رواية "الثائر الأحمر" لعلي أحمد باكثير (1)

الثلاثاء, 30 أغسطس 2011 --> العدد 1595 - الثقافية طباعة

تعريف التناص:

التناص هو المقابل العربي للمصطلح الإنجليزي Intertextuality والمصطلح الفرنسي intertextualite، وقد يترجم أحياناً إلى تداخل النصوص أو النصوصية(1).

وكما تتعدد ترجمة المصطلح تتعدد التعريفات، على أننا يمكن أن نبسط تعريف التناص بأنه يعني: "أن يتضمن نص أدبي ما نصوصاً أو أفكاراً أخرى سابقة عليه عن طريق الاقتباس أو التضمين والتلميح أو الإشارة أو ما شابه ذلك من المقروء الثقافي لدى الأديب، بحيث تندمج هذه النصوص أو الأفكار مع النص الأصلي وتندغم فيه ليتشكل نص جديد واحد متكامل"2.

د. عبد الحكيم الزبيدي

وتعد الباحثة جوليا كرستيفا رائدة هذا المصطلح(3)، وترى أن "كل نص يتشكل من تركيبة فسيفسائية من الاستشهادات، وكل نص هو امتصاص أو تحويل لنصوص أخرى"(4).

وظيفة التناص:

يؤدي التناص وظيفة مهمة في النص الأدبي سواء أكان روائياً أم شعرياً. ويؤكد الدكتور أحمد الزعبي على أن النص المقتبس في العمل الروائي يجب “أن يؤدي وظيفة فنية جمالية أو فكرية موضوعية يخدم السياق الروائي وينسجم معه. ولا يستحضر هذا النص أو ذاك للزينة أو للديكور أو استعراض القدرات الثقافية، وإنما لغرض يراه المؤلف ضرورياً لتعميق فكرته المطروحة أو بلورة رؤيته في قضية ما، أو يراه منسجماً مع البناء الفني أو الأسلوبي أو اللغوي في روايته”(5).

أشكال التناص:

يأتي التناص في الأعمال الأدبية على شكلين: مباشر وغير مباشر أو تناص التجلي وتناص الخفاء –كما يعرف أيضاً- والفرق بينهما هو أن الأولى عملية واعية بينما الثاني عملية لا شعورية(6).

ونعني بالتناص المباشر أن يقتبس الأديب النص بلغته التي ورد فيها، مثل الآيات والأحاديث والأشعار والقصص، أما التناص غير المباشر فهو الذي يستنتج استنتاجاً ويستنبط استنباطاً من النص وبخاصة الروائي، "وهذا ما ندعوه بتناص الأفكار أو المقروء الثقافي أو الذاكرة التاريخية التي تستحضر تناصاتها بروحها أو بمعناها لا بحرفيتها أو لغتها أو نسبتها إلى أصحابها. وتفهم من تلميحات النص وإيماءاته وشفراته وترميزاته، ولهذا تستنبط استنباطاً وربما تخمن تخميناً، كما يدخل ضمن التناص غير المباشر تناص اللغة والأسلوب"(7). وقد يكون التناص الوارد كلمة أو جملة ذات دلالة ما، تقود أو تدل على النص الذي اجتزئت منه، وقد يكون بيت شعر أو جزءاً منه (8).

أنواع التناص:

ينقسم التناص إلى أنواع متعددة بحسب نوع النص المقتبس. فهناك التناص التاريخي و الأدبي والديني، والأخير هو ما سنتناوله هنا.

التناص الديني:

يقصد بالتناص الديني أن تتداخل مع النص الأصلي للرواية نصوص دينية مختارة عن طريق الاقتباس أو التضمين من القرآن الكريم أو من الحديث الشريف أو الأخبار الدينية بحيث تأتي منسجمة مع السياق الروائي وتؤدي غرضاً فكرياً أو فنياً (9).

التناص الديني في رواية "الثائر الأحمر":

نشأ الأديب علي أحمد باكثير نشأة عربية إسلامية في موطن آبائه حضرموت، قبل أن ينتقل إلى مصر ويلتحق بجامعتها ويتخرج في قسم اللغة الإنجليزية، فقد حفظ القرآن أو أكثره وحفظ متون الفقه وكتب الحديث، والنحو والبلاغة والأدب ودواوين الشعراء (10)، وقد أثرت تلك التربية في ثقافته وأمدته بمخزون ديني وتراثي انعكس على أعماله الأدبية. وسنحاول أن نمثل لظاهرة التناص الديني في روايته "الثائر الأحمر" ببعض النماذج إذ إن الإحاطة بها كلها قد يطول بنا. وقد اخترنا هذه الرواية من بين رواياته الست لأنها أنضجها من الناحية الفنية (11)، ولأن موضوعها التاريخي الديني جعل ظاهرة التناص الديني تظهر فيها بجلاء، وتوظف توظيفاً فنياً مناسباً كما سنوضح في ثنايا البحث.

ملخص لأحداث الرواية:

تنقسم الرواية إلى أربعة أسفار كل سفر يضم عدداً من الفصول تزيد أو تنقص حسب الحاجة. يقدم باكثير للسفر الأول بقول الله تعالى: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا» (12). وفيه نتعرف إلى حمدان الفلاح البسيط الذي يعمل ضمن آلاف العاملين في جزء من أرض ساشعة يملكها إقطاعي يدعى ابن الحطيم. يعيش حمدان وأسرته في فقر مدقع وعمل شاق مضنٍ لا يعود عليهم إلا بما لا يكاد يسد حاجتهم من جشب الطعام وخشن الملابس، بينما تذهب حصيلة جهدهم وعرقهم إلى خزينة شاب عاطل لا يدري كيف ينفق ماله من كثرته ولا وقته من فراغه، لا يعرف حمدان إلا اسمه وسيرته الخليعة التي يتناقلها الناس كما يتناقلون أساطير ألف ليلة وليلة. ولكن حمدان يعيش في كوخه راضياً بحياته تلك لا يشكو ولا يتذمر حتى تُخطف أخته عالية وهي تتهيأ للزفاف إلى ابن عمها عبدان، فيجن جنون حمدان ويبحث عنها في كل مكان، ثم ينضم إلى العيارين حين علم أنها في قصر سيده ابن الحطيم يستمتع بها استمتاعه بالجواري. ويستطيع حمدان أن ينقذ أخته عالية ولكنها تختفي بعد أيام من تلقاء نفسها بعد أن شعرت أن عبدان –خطيبها السابق- قد زهد فيها بعد انثلام شرفها، وبعد أن أحست أن جنيناً يضطرب في أحشائها.

ويقدم الكاتب للسفر الثاني بقول الله تعالى:«وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون» (13). وفيه نطالع عبدان وهو يقيم في بغداد متنكراً في زي طلبة العلم بعد أن فر من قريته بعد قتله لشرطيين جاءا للقبض عليه وعلى حمدان. ولكن عبدان ما أن أخذ في طلب العلم حتى شغف به، وبرع في الفقه وخاصة في أبواب الزكاة والمزارعة وغيرها مما يفصّل حياة الناس بما يكفل العدل للجميع، وكان يرى صورة حمدان تطل عليه من خلال السطور فيود لو يطلع حمدان على منهج الله في العدل الذي لم يجده في الواقع فذهب يلتمسه لدى العيارين. ولكن عبدان يتعرف إلى جعفر الكرماني ويرى أخته شِهراً فيعجب بها وحين يخطبها منه يطلعه الكرماني على أنه من دعاة مذهب العدل الشامل ويجادله عبدان ولكن الكرماني يجعل قبول عبدان الانضمام لجماعته التي تقوم على نبذ الدين ومحاولة تقويض سلطان الخلافة لإقامة سلطان يدعو إلى العدل الشامل القائم على المساواة، يجعل ذلك شرطاً للوصول إلى شهر. وبعد تفكير طويل أتبع عبدان شهوته فقبل عرض الكرماني فمكنه الكرماني من شهر يستمتع بها دون عقد زواج. ويصبح عبدان من دعاة المذهب المنظرين له ويعمل مع الكرماني وشهر في تجنيد الأتباع. ولكن الخليفة يعلم بأمر الجماعة فيشتت جمعهم ويهرب عبدان والكرماني وشهر إلى الكوفة.

ويقدم الكاتب للسفر الثالث بقوله تعالى: )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ((14). وفيه يتوب حمدان عن العيارة ويتعرف إلى الشيخ حسين الأهوازي الذي ظهر في القرية فجأة وبدا للناس في صورة التقي الورع، وقد استضافه حمدان في بيته حين مرض لتمرضه أخته راجية ولكن الشيخ استطاع أن يجعلها تسلم نفسها له بعد أن اطلع على بعض شأنها وأنها تتصل بالشبان أثناء غياب أخيها حمدان عن المنزل. وبعد مدة يعترف الشيخ الأهوازي بحقيقته لحمدان ويخبره أنه من دعاة مذهب العدل الشامل ويعطيه رسالة من عبدان تدعوه إلى الانضمام إلى جماعة الشيخ ويطلعه الشيخ على مذهب القوم ما خلا مسألة الإباحية. ثم يغادر الشيخ القرية، بعد أن يجمع عدداً من الأتباع جعل حمدان رئيساً لهم. وفي نهاية السفر يعلن حمدان وأتباعه العصيان يتخذون (مهيماباذ) عاصمة لهم ويبدأون في تطبيق مذهبهم.

ويقدم الكاتب للسفر الرابع والأخير بقوله تعالى:«وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ((15) وقوله: )ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ* وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» (16). وفيه تأتي عالية –التي أصبح اسمها وردة- مع زوجها عيسى الخواص وابنتها مهجورة لتنضم إلى مملكة أخيها ولكن عامل الحدود يعجب بجمالها ولا يصدق دعواها أنها أخت حمدان، ويقتل زوجها ليخلو له وجهها ولكنها تصده، وحين يعلم حمدان بأمرها من عيونه يقتل عامل الحدود ويدعوها للإقامة معه في قصره. ولكنها إذ ترى ما هم عليه من الإباحية تطلب منه أن تقيم في منزل منفصل هي وابنتها فيجيبها لذلك. وتعمل عالية على دعوة النساء إلى العودة إلى الدين وترك الإباحية، ويحبسها حمدان في قصرها ويمنع النساء من الاتصال بها. وفي أثناء ذلك تتكشف للعمال والصناع الذين التحقوا بمملكة حمدان هرباً من ظلم الإقطاعيين في دولة الخلافة تتكشف لهم الحياة الجديدة عن نوع آخر من الظلم وإذا هم قد استبدلوا ظلماً بظلم فأخذت حماستهم تقل وأخذوا يتباطئون في العمل ويتكاسلون فيه، إذ كل منهم ينال شبع بطنه سواء اجتهد أم لم يجتهد. وفي الوقت نفسه نشطت حركة أبي البقاء البغدادي –وهي حركة إصلاحية تدعو إلى إنصاف الفلاحين والعمال من خلال تطبيق منهج العدل الإسلامي- بعد وفاة الخليفة المعتمد وتولي المعتضد الخلافة وإطلاقه أبي البقاء من السجن، وتطبيق منهجه الإصلاحي، فأخذ العمال والفلاحون يتسللون من مملكة حمدان ويلتحقون بدولة الخلافة، حتى لم يبق مع حمدان إلا قلة من أتباعه. وفي هذه الأثناء كان القداحون وهم رؤساء حمدان وزعماء المذهب كانوا يطالبون حمدان بمحاربة الخليفة وهو يرفض أن يبدأ الخليفة بالقتال، فيخلعه القداحون ويولون (ذكرويه) مكانه. وهنا يتوب حمدان ويعود إلى أداء الصلوات ويأمر أهل بيته وأتباعه باللحاق بدولة الخلافة وينصرف هو هائماً على وجهه فيلقى سلام الشواف –زعيم العيارين التائب- فيطلب منه أن يصحبه إلى بغداد للقاء أبي البقاء البغدادي. 

التناص الديني:

يتمثل التناص الديني -بشكليه المباشر وغير المباشر- في الرواية في مظهرين هما: التناص مع القرآن الكريم والتناص مع الحديث الشريف. ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى أن البحث سيتناول التناص الوارد في ثنايا الرواية فقط، ولن يشمل الآيات الكريمة التي صدَّر بها الكاتب فصول الرواية، لأن هذا التصدير يدخل تحت مفهوم ما يعرف ب "العتبات النصية"، أكثر من دخوله ضمن مفهوم التناص. وسنقسم أمثلة التناص الواردة في الرواية حسب الشخصيات التي وردت على لسانها إذ تختلف الدلالة –في رأينا- حسب الشخصية التي وردت على لسانها.

أولاً: ما ورد على لسان الشخصيات المتدينة:

وأبرز من يمثلها في الرواية أبو البقاء البغدادي. وقد وردت نماذج متعددة من التناص الديني في أحاديثه المبثوثة في الرواية، وسنقتصر في السطور التالية على بعض الأمثلة منها للتدليل.

أ: التناص مع القرآن الكريم:

1- إنا كفيناك المستهزئين:

يقول الكاتب واصفاً أبا البقاء البغدادي أثناء المناظرة التي جرت بينه وبين أتباع القرامطة والذين تأثروا بشبهاتهم:

"فظهر على وجه أبي البقاء شيء من الغضب، ولكنه ما لبث أن تطلق وجهه، وقال: «ويلك ليس ذلك منهاجي وإنما هو منهاج دين الله، وقد فرض لمثلك حق الفقير».

وما حق الفقير؟

أن يكون له ولمن يعولهم بيت صالح يأوون إليه بمتاعه وماعونه، وطعام طيب يأكلونه من أوسط ما يطعم الناس في غير أشر ولا بطر، وكسوة للصيف وأخرى للشتاء من أوسط ما يلبس الناس بلا زهو ولا خيلاء، وفضل نفقة للعيد يوسع بها على زوجه وعياله.

أمن زكاة أموال الأغنياء يصرف ذلك؟

نعم، ما وفت الزكاة به.

فضحك الرجل وتضاحك من معه حتى هم بعض أصحاب أبي البقاء بالوثوب عليهم لولا أنه منعهم من ذلك وقال بصوت يرتجف غضباً: «إنا كفيناك المستهزئين»"(17).

والاستشهاد هنا بقول الله تعالى مخاطباً رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: «إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» (18) جاء مناسباً ومتسقاً مع شخصية أبي البقاء التي تمثل النموذج المثالي لما ينبغي أن يكون عليه العالم الرباني المتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم. فكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرض عن الجاهلين والمستهزئين، فكذلك أبو البقاء هنا رغم شدة غضبه من سخرية الرجل وتضاحكه هو وأصحابه من كلام أبي البقاء، رغم ذلك يسيطر على غضبه ويكظم غيظه، ويمنع أصحابه من البطش بالرجل ويكتفي بزجره بآية من كتاب الله، تذم المستهزئين وتهددهم. وقد أضاف التناص مع هذه الآية الكريمة إفادة للقارئ حول شخصية أبي البقاء وما تتمتع به من أخلاق النبيين العالية.

2- وفيكم سماعون لهم:

من حوار بين أبي البقاء وأحد الصناع الذي ردد شبهة القرامطة أن أموال الزكاة –لو التزم الأغنياء بدفعها-لن تفي بحاجة المعوزين والمحتاجين، فيرد عليه أبو البقاء قائلاً:

- "فهل أحصيت زكاة أموال الأغنياء جميعاً فاستنزرتها؟

- لا والله، إني عشت ما عشت في زمن لا يخرج الأغنياء فيه زكاة أموالهم، فما أدري والله أكافية هي أم غير كافية. ولكن هؤلاء القرامطة يقولون إن الزكاة التي فرضها الدين لا تغني شيئاً، فأردت أن أعرف ما حكم الله في ذلك لو صح ما يزعمون.

- لعنة الله عليهم! إنما يبغون الفتنة وفيكم سماعون لهم"(19).

والشاهد هنا هو قوله: "إنما يبغون الفتنة وفيكم سماعون لهم"، وهو مأخوذ من قول الله تعالى عن المنافقين: «لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» (20). وفي استدعاء أبي البقاء للآية الكريمة تشبيه لهؤلاء القرامطة بالمنافقين الذين يريدون أن ينشروا الفتنة بين المسلمين، وتحذير للمسلمين من الاستماع إليهم وتصديقهم. وكأن المؤلف بهذا يوجه تحذيراً للمسلمين المعاصرين يحذرهم فيه من الاستماع إلى دعاة الفتنة الذين يشككونهم في دينهم ليصرفوهم عنه. 

3- فاسألوا أهل الذكر:

يقول المؤلف واصفاً طرفاً من مناظرة أبي البقاء لأتباع القرامطة وتأثر الحاضرين بكلامه:

"وسكت أبو البقاء قليلاً وصمت أهل المجلس مما لحقهم من الخشوع حتى رؤي بعضهم يمسح بطرف ردائه أثر الدمع من عينيه، ثم تنحنح الشيخ وقال: «هيه يا معشر المسلمين! سلوني أجبكم، فإن الشيطان ليلقي الشبهة في قلب أحدكم كشرارة النار الصغيرة فما يزال ينفخ فيها بوسواسه وهي تعظم وتستطير حتى تأكل إيمانه. فمن كانت عنده شبهة من وساوس أولئك القوم فليفض بها إليّ لعلي أكشفها عنه. قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)"(21).

والاستشهاد هنا بقول الله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ» (22)، يبدو وكأنه رسالة يريد الكاتب إبلاغها إلى القارئ المعاصر وهي أن يسأل أهل العلم وأهل الاختصاص في الدين ليزيل ما يعلق في نفسه وفكره من شبهات أعداء الدين.

4- لا يسخر قوم من قوم:

ومن المناظرة نفسها، ضمن حوار بين أبي البقاء وأحد الصناع، يقول الصانع:

" أفي دين الله كل هذا يا أبا البقاء؟

نعم وزيادة.

ما الزيادة؟

التراحم والتواد، وألا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن"(23).

وفي العبارة الأخيرة تناص مع قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (24). وفي هذا الاستدعاء للآية الكريمة إشارة إلى الفارق الكبير بين منهج الله الذي يحفظ للإنسان كرامته وبين المذاهب الأخرى التي تزعم أنها تسعى إلى إشاعة العدل والمساواة بين الناس بينما هي تمتهن كرامتهم بإشاعة الإباحية وترويج الفاحشة.

5- والله أحق أن تخشاه:

في الحوار بين المعتضد ابن الموفق وأبي البقاء، يقول المعتضد:

- "أجل لقد قرأت منها كتاب الفضول، فشهدت فيه فضلك وعلمك، وأشهد أن أبي رحمه الله كان يعجب به.

- غفر الله لأبي أحمد، كنت أنتظر منه التنفيذ لا الإعجاب.

- قد كان يرى صعوبة تنفيذه.

- بل كان يخشى ثورة الأغنياء، وكان الله أحق أن يخشاه"(25).

وفي العبارة الأخيرة إشارة غير مباشرة إلى قول الله تعالى: «وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا» (26). فمع تناسب ورود مثل هذه الآية في حديث أبي البقاء، فإن فيها أيضاً ما يدل على فقهه، إذ إن الآية الكريمة عتاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، فكأن أبا البقاء يقول للمعتضد إنه لا يتحرج أن يوجه مثل هذا العتاب لأبيه لأن الله تعالى قد خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب القوي من قبل.

6- ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض:

هناك آية كريمة وردت على لسان سلام الشواف الذي كان زعيم العيارين، ولكنا آثرنا أن نوردها هنا لأنها وردت على لسانه بعد أن تاب وأناب إلى الله، وأصبح من أتباع أبي البقاء البغدادي. ففي الحوار الذي دار بين سلام الشواف وحمدان في نهاية الرواية، يقول الشواف:

- "وسترى أبا البقاء هناك إن شئت.

- أبا البقاء البغدادي!.

- نعم فإنه يزور عبد الرؤوف أحياناً، أفلا تحب أن تراه؟

- بلى، والله لوددت لو رأيته فقبلت ما بين عينيه. ولكن بأي وجه أقابله؟

- إنه يحبك يا حمدان ويعجب بك.

- يحبني!.

- لا تعجب، فلولا أنت لما كان له شأن، ولولا هو لما سقطت يا حمدان، فهل تجد عليه أنه أسقطك؟

-  كلا، والله إني لأحبه وأجلّه في نفسي. ولئن أسقطني لقد رفع منار العدل!.

-  أجل، هذه سنة الله. ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض"(27).

والجملة الأخيرة فيها استشهاد بقول الله تعالى: «فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ» (28). والتناص مع الآية الكريمة يبين سنة من سنن الله في الكون، وهي دفع الأشرار من الناس بالأخيار منهم، قال الزمخشري في تفسير الآية: «ولولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض ويكف به فسادهم، لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها» (29). وورود الآية الكريمة في نهاية المسرحية يوحي وكأنها خلاصة المغزى الذي أراد الكاتب أن يؤكد عليه.

ولورود الآية على لسان الشواف دلالة خاصة -في رأيي، فلو وردت هذه الآية على لسان أبي البقاء –مثلاً- لربما ظُن أنه يرددها عن حفظ دون تمثل لمعناها، أما ورودها على لسان الشواف فإن ذلك يدل على أنه يرددها عن إيمان وقناعة بعد أن جرب حياة العيارين، فوجد أن رفع الظلم بالظلم –وهذا ما حاول القرامطة ومن قبلهم العيارون والزنج فعله-إفساد في الأرض.

ب- التناص مع الحديث الشريف:

من أمثلة التناص مع الحديث الشريف التي وردت على ألسنة الشخصيات المتدينة ما يلي:

1- سبعة يظلهم الله في ظله:

يقول الكاتب متحدثاً عن استقبال المعتضد لأبي البقاء بعد أن أطلق سراحه من السجن بعد وفاة الخليفة المعتمد وعزمه على تنفيذ منهجه الإصلاحي:   

"فتلقاه المعتضد بمزيد الحفاوة والتكريم، وأقبل عليه وأدنى مجلسه وأخلى له وجهه، ومن دونه الوزراء والكبراء وأصحاب الرياسات ينظرون ويتعجبون.

قال لأبي البقاء فيما قاله: «إن بابي لا يغلق دونك بليل أو نهار، وإني أعاهد الله ربي لا تدعوني إلى خطة فيها رضى الله ورسوله وخير الناس إلا نفذتها لك ما استطعت».

فشكره أبو البقاء وقال له: «حسبي وحسب الناس منك هذا. وإني لأرجو الله أن تكون من السبعة الذين يظلمهم الله يوم لا ظل إلا ظله يوم القيامة» ثم روى الحديث بتمامه عن النبي صلى الله عليه وسلم بسنده"(30).

وحديث السبعة بتمامه وسنده كما رواه الإمام البخاري هو:

"حدثنا ‏ ‏محمد بن سلام ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏عبد الله ‏ ‏عن ‏ ‏عبيد الله بن عمر ‏ ‏عن ‏ ‏خبيب بن عبد الرحمن ‏ ‏عن ‏ ‏حفص بن عاصم ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال: سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل ذكر الله في خلاء ففاضت عيناه ورجل قلبه معلق في المسجد ورجلان تحابا في الله ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها قال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه"(31).

وفي التناص مع الحديث الشريف ما يتناسب مع شخصية أبي البقاء الفقيه، ثم هو يتناسب مع ما فعله الخليفة المعتضد مع أبي البقاء إذ أكرمه وأطلق يده ليطبق منهجه الإصلاحي ليرى الناس عدل الله فينصرفوا عن خداع القرامطة. ولعل الكاتب يريد أن يشجع الملوك والرؤساء في عصره على تطبيق المنهج الإسلامي في الحكم مبشراً لهم بهذه البشرى العظيمة من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم للإمام العادل.

2- ما شبع آل محمد من خبز الشعير:

يقول الكاتب على لسان أبي البقاء حين سئل في المناظرة أن القرامطة يزعمون أن الزكاة لا تكفي لسد حاجة الفقراء، وسألوه ماذا يقولون لهم رداً على ذلك، فقال:

" فقولوا لهم: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وما الزكاة المفروضة إلا الحد الأدنى لما يؤخذ من مال الغني ليرد على الفقير. وهذه تؤخذ في وقتها المعلوم من نصابها المعلوم، ولو لم يوجد من يستحقها فتودع حينئذ في بيت المال. وكان العرب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل تقشف وقناعة، فكان يكفيهم القليل من المال، يكاد يستوي في ذلك غنيهم وفقيرهم، وما يفضل عن حاجتهم كانوا ينفقونه على الجهاد في سبيل الله أو يتصدقون به سراً وعلانية، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام خير قدوة لهم في ذلك، فقد كان أجود بالخير من الريح المرسلة، وما شبع آل محمد من خبز الشعير قط"(32).

وما ورد في آخر قوله هو جزء من حديث نصه:

"حدثنا محمد بن بشار ‏ ‏حدثنا‏ محمد بن جعفر ‏ ‏حدثنا ‏ ‏شعبة ‏ ‏عن ‏ ‏أبي إسحق ‏ ‏سمعت ‏ ‏عبد الرحمن بن يزيد ‏ ‏يحدث عن ‏ ‏الأسود ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏قالت: ما شبع آل ‏ محمد ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏من خبز الشعير حتى قبض"(33).

والحديث مناسب وروده على لسان أبي البقاء البغدادي الفقيه، ومناسب للمقام أيضاً، كما يدل على ثقافة الكاتب الدينية.

اعلانك

لديك إعلان !

الصحيفة تقدم خدمة إعلانية متميزة
ابتداء من الفكرة والتصميم وحتى النشر
يمكنك الاطلاع على مجموعة التصاميم

تفاصيل

اتصل بنا

ارسل لصندوق بريد الصحيفة!

صحيفة 26 سبتمبر
التحرير - شارع ٢٦ سبتمبر، صنعاء
الجمهورية اليمنية

اتصل بنا